السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

15

الصوم ( مسائل وردود )

--> يقول المفضّل بن عمر كنت عند أبي عبد الله ( ع ) فذكرنا الأعمال فقلت أنا ما أضعف عملي فقال ( ع ) مه استغفر الله ثم قال لي : ( إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى ) . ( أصول الكافي : ج 2 ، ص 76 ) فهذا الحديث يفصح بوضوح أن المقياس ليس كمية الأعمال وأعدادها ولكن المقياس انبثاقها من قاعدتها العميقة الراسخة في النفس وهي تقوى القلب وحساسية الضمير وشعوره بالخوف من الله تعالى وتحرجه من غضبه وتطلبه لرضاه . ويتردد نفس المعنى على ألسنة روايات أخرى ولكن في صياغات وتعابير مختلفة فعن أبي عبد الله ( ع ) قال : ( مِن أشدِّ ما فرض الله على خلقه ذكر الله كثيراً ) ثم قال : ( لا أعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وإن كان منه ولكن ذكر الله عندما أحلّ وحرّم فإن كان طاعة عمل بها وإن كان معصية تركها ) . ( نفس المصدر : ص 80 ) . وعن سليمان بن خالد قال سألت أبا عبد الله ( ع ) عن قول الله عزّ وجل : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً . ( الفرقان : 23 ) ، قال : ( أما والله إن كانت أعمالهم أشدّ بياضاً من القباطي - ثياب بيض تنسب إلى القبط - ولكن كانوا إذا عرض لهم الحرام لم يَدَعوهُ ) . ( نفس المصدر : ص 81 ) . وعن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله ( ع ) عن حدّ العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤدّياً فقال ( ع ) : حُسن النية بالطاعة . وعن أبي عبد الله ( ع ) أيضاً قال : ( فيما ناجى الله عزّ وجل به موسى ( ع ) : ( يا موسى ما تقرّب إليّ المتقربون بمثل الورع عن محارمي فإني أبيحهم جنّات عدن لا اشرك معهم أحداً ) ) . ( نفس المصدر : ص 80 ) . وعن الإمام أبي جعفر ( ع ) قال : ( إن أشدّ العبادة الورع ) . ( نفس المصدر : ص 77 ) . وفي حديث آخر عنه ( ع ) : ( إنَّ أفضل العبادة عفّة بطن وفرج ) . ( نفس المصدر : ص 74 ) . فهذه وعشرات غيرها من الأحاديث وردت في صيغ مختلفة لتوضّح المفهوم الصحيح للعبادة والطاعة في الإسلام وتزيل عنها تلكم السخافات والحجُب التي أسبلها عليها رجال الكهنوت وروّاد البِيَع والصوامع التي تسرّبت على مرّ الأزمان داخل مجتمعات المسلمين لتشكّل مذاهب الاعتزال والتصوّف فمسخت الصورة الواضحة السمحاء لفكرة العبادة وجوهر الطاعة في الدين الحنيف حيث جعلت منها صوراً ليس فيها سوى الجفاف والجمود وأشكالًا لا تعكس إلا سلبية وبرودة فلا حياة فيها ولا روح ولا مدلول وراءها ولا تأثير ، إنها انحراف العبادة عن مفهومها الصحيح .